منتدى آفاق الطيبات
مرحبا بك زائرنا الكريم ، حللت اهلا و نزلت سهلا ، نسعد بوجودك معنا ، ونتمى ان تقضي معنا اوقات مفيدة .
ترجمة الصفحة
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
التبادل الاعلاني
pubarab
ديسمبر 2017
الأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبت
     12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930
31      

اليومية اليومية

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
*khelfaoui* - 244
 
علي17 - 174
 
أبوعاقب - 171
 
taibeti91 - 166
 
دردوري محمد ا - 127
 
chine1976 - 108
 
Brahimi - 95
 
زيدان - 94
 
مريم الباتول - 83
 
حمروني1990 - 62
 

هذه هي الطيبات
الساعة العالمية

سي أحمد بن عبيد نموذجا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

سي أحمد بن عبيد نموذجا

مُساهمة  التجاني في الأحد مايو 27, 2012 4:08 pm

بنية اللغة التداولية في الشعر الشعبي
أحمد بن عبيد نموذجا(*)

د. مسعود وقاد

لقد عملت طائفة من الشعراء والنقاد منذ القرن السابع عشر على إشاعة نموذج من الشعر يميل إلى البساطة في مستوى الصور والتراكيب اللغوية. ومن الطبيعي أنّ الشعر إذا مال نحو البساطة في مستواه التخييلي واللغوي فإنّه «عادة ما يقلّل من انحرافه عن العرف اللغوي، وتضيق زاوية إزاحة اللغة، لتقترب اللغة من مستوى اللغة التداولية دون أن تتطابق معها»([1]). وذلك بتقليص المسافة بين اللغة الشعرية المؤسَّسة –أصلا- على الانزياح، واللغة التداولية. وقد كان "صاموئيل جونسن" من أوائل الذين حاولوا تعريف هذا النوع من الشعر السهل، إذ رأى أنّه «ذلك الشعر الذي يكون في التعبير عن الأفكار الطبيعية دون (إرغام اللغة) إذ إنّ اللغة قد تلاقي إرغاما بفعل تعبيرات خشنة، حيث تربط أكثر الأفكار تنافرا تحت نير ذلك الإرغام»([2]). وهذا الإرغام أو العنف المنظّم الذي يمارسه الشعراء ضدّ اللغة هو الذي أدّى في مراحل أخرى متأخّرة إلى ظهور الشعار الذي رفعه أنصار الحداثة بأنّ الشعر ليس جماهيريا، بل نخبوي. وبذلك لم يعد إرغاما للغة وحدها وإنّما هو عنف مورس في حقّ الجمهور المتلقّي أيضا.


وقد كانت البداية الحقّة للالتفات إلى لغة التداول اليومي عن طريق تفجير تقريريتها، وإنهاء حالة الحياد التي أرغم الشعراء الرومانسيون اللغة على التزامها – مجسّدةً في إشارات (ت.س.إليوت) العديدة إلى أهمّية تناول اللغة التداولية في الشعر، و«نبذه للأسلوب الشعري المصطنع، وإيثاره الاقتراب من لغة الكلام الطبيعي، ودعوته إلى أن تتغيّر أشكاله تغيّرا مستمرّا حتّى تلاحق ما يطرأ على لغة الكلام من تغيير»([3]). وقد مثّلت آراؤه ثورة اكتسحت المشهد النقدي الإنجليزي الذي كان مغرقا في لجّة التصنّع والتكلف بسبب ما انتهت إليه المدرسة الرومانسية حين استنفدت كلّ طاقاتها الإبداعية في العطاء، فاستقرّت لغتها عند صور وقوالب جاهزة تصطنع اصطناعا، وبذلك «انقطعت عن مسايرة التغيّر الذي طرأ على عقول الناس وثقافتهم، وعلى مشاكل معيشتهم، ونوع حساسيتهم، وعلى أنماط كلامهم، وأساليب حديثهم»([4]).
وكانت دعوتهم الصريحة إلى ضرورة استخدام لغة التداول اليومي في الشعر من خلال العودة إلى واقع اللغة التي يتحدّثها الناس، والتسامي على رموز الرومانسية البالية، وأصواتها دعوة إبداعية جسّدتها قصائده، كما كانت دعوة نقدية أسّست لها آراؤه النقدية ذات المنطق الإقناعي الآسر، «فلم يكد يقلّ أثره كناقد يوجّه الشعراء الشبّان بآرائه النقدية على أثره كشاعر يعرض عليهم النماذج البديعة من شعره الجديد»([5]). وبهذا تسلّل صوت "إليوت" إلى النقاد والشعراء الإنجليز خصوصا، والنقّاد والشعراء في كافّة أنحاء العالم عموما. وقد شهدت الساحة النقدية والشعرية العربية احتفاء كبيرا بآرائه النقدية ونهجه الشعري، «فقد اعترف عدد من شعرائنا الجدد بمدى تأثّرهم به واستفادتهم منه»([6])، وكان شعراء العراق وفي مقدّمتهم بدر شاكر السياب أكثر المتأثّرين به.
وقد سعى الشاعر العربي الكبير "نزار قبّاني" إلى تقليص مسافة الإزاحة والانحراف ما بين اللغة الشعرية واللغة التداولية على المستوى الإبداعي، ثمّ على المستوى التنظيري، وعُرف هذا الصنيع في مذهبه بـ (اللغة الثالثة) التي هي لغة البساطة في التعبير، والوضوح في الرؤيا، والعمق في التجربة، ولا مجال فيها للشعر المنكفئ على ذاته الذي يغلق أبوابه في وجه قرّائه. وبعبارة أخرى هي جسر لردم الهوّة بين لغتين وصفهما نزار نفسه بقوله : «العربي يقرأ ويكتب ويؤلّف ويحاضر بلغة، ويغنّي ويروي النكات ويتشاجر ويداعب أطفاله ويتغزّل بعين حبيبته بلغة ثانية. هذه الازدواجية اللغوية التي لم تكن تعانيها بقية اللغات كانت تشطر أفكارنا وأحاسيسنا وحياتنا نصفين. لذلك كان لا بدّ من فعل شيء لإنهاء حالة الغربة التي كنّا نعانيها، وكان الحلّ هو اعتماد لغة ثالثة تأخذ من اللغة الأكاديمية منطقها وحكمتها ورصانتها، ومن اللغة العامّية حرارتها وشجاعتها وفتوحاتها الجريئة. إنّ لغة الشعر تنتمي إلى هذه اللغة الثالثة»([7]).
وبهذا الحسم للغة الإبداع الشعري هتك نزار الحجاب الفاصل بين النص والمتلقّي ، ونقل اللغة من درجة الحياد، أو درجة الصفر في الكتابة –كما يدعوها رولان بارت- إلى لغة تُسهم في جذب القرّاء وإشراكهم في عملية إنتاج الدلالات. ومن هنا –أيضا- بدأت تباشير الثورة الشعرية المضادّة تلوح في الأفق، وراحت تؤسّس لشعريتها معتمدة على كفاءات شعرية التقرير.
إنّ شعرية التقرير كانت حالة اضطرارية لجأ إليها شعراء الثمانينات الذين أعفوا القصيدة من مسؤوليات عدّة أُرغمت على تأديتها دهورا وعلى رأسها الوزن والقافية. كما تمرّدوا على مفهوم الانحراف اللغوي الذي هوى بالشعر في بحر الغموض، وسعوا إلى «تكليف اللغة التقريرية بعمل يفوق طاقتها الوظيفية باعتبارها لغة توصيل لكي تصبح لغة انفعالية»([8]). ولم تكن الطريق معبّدة أمام تحديد المعالم الشعرية لهذه اللغة الثالثة التي تتحوّل فيها الرسالة الإبلاغية إلى رسالة شعرية. وإنّما كان على الشعراء أن ينتقلوا من وظيفة إضفاء الشعرية على العالم الخارجي بواسطة تفجير اللغة إلى وظيفة اكتشاف الشعرية في العالم بواسطة الكشف عن علامات التجانس الكونية فيه([9])، ولفْت انتباه المتلقّي إلى الظواهر المألوفة التي طالما مرّ بها دون أن تستأثر بلفتاته الجمالية.
وبذلك راح الشعراء يعتصرون اللغة التقريرية المباشرة لاستدرار رحيق الشعرية منها، وصارت لغة التخاطب اليومي واقعا لغويا تزخر بتفاعلاته القصائد الشعرية. ولئن مثّلت اللغة التداولية وسيلة تلقائية لهؤلاء الشعراء، ولا سيما شعراء قصيدة النثر، فإنّها كانت لدى الشاعر الشعبي واقعا فنّيا يعايش تفاصيله، ويمنحه الشرعية الشعرية بما يتضمّنه من بساطة وتلقائية.
إنّ الدارس الذي يستهدف مظانّ الشعرية في الأدب الشعبي مضطرّ –لا محالة- إلى الوقوف طويلا أمام عتبات اللغة التقريرية، ذلك أنّ شعرية هذا الضرب من الشعر تتأسّس –في جانب كبير منها- على شعرية التقرير، إذ هو تعبير فطري صادق عن أحوال المجتمع، وبلسانه، وقوالبه اللغوية التي يتداولها بعيدا عن لغة التغريب والتشتّت الدلالي. وستحاول هذه المداخلة مقاربة شعرية التقرير من خلال شكلين بارزين يسلم بهما شعر "أحمد بن عبيد"(*) قياده للدارس دون عناء هما: الأسلوب السردي، وأسلوب التحفيز.
1) – الأسلوب السردي: تعتمد القصيدة الشعبية على السرد كوسيلة لإنتاج شعريتها بعيدا عن الانحرافات اللغوية، فهي تستهدف متلقّيا يتفاعل مع ما غازل ذاكرته . لذلك كان اختزال مسافة التلقّي وإعدام فجوات التوتّر أكثر ما ينشغل به الشاعر. وكان السرد –من خلال حياد لغته وسطوع مضمونه في ذهن المتلقّي- أيسر السبل لتحقيق شعرية النص.
وليس يعسر على المتأمّل لشعر أحمد بن عبيد أن يميّز بين أسلوبين من السرد يعتمدهما في كثير من قصائده. هما: الأسلوب السير ذاتي الذي يوصف بأنّه «قول شعري ذو نزعة سردية يسجّل فيه الشاعر شكلا من أشكال سيرته الذاتية، تظهر فيه الذات الساردة بضميرها الأوّل متمركزة حول محورها الأنوي، ومعبّرة عن حوادثها وحكاياتها عبر أمكنة وأزمنة وتسميات لها حضورها الواقعي خارج ميدان المتخيّل السردي»([10]). والأسلوب السردي الموضوعي الذي يتّخذ فيه الشاعر من عالم الواقع ومسرح أحداثه مادّة فنّية لتشكيل متخيّله الشعري.
وبما أنّ شعر أحمد بن عبيد زاخر بغرض المديح الديني كمدح الرسول r ، والخلفاء الراشدين، والصحابة، ومدح الأولياء والصالحين، ولا سيما شخصية الشيخ أحمد التجاني مؤسّس الطريقة التجانية فإنّ كثيرا من قصائده تعتمد الأسلوب السير ذاتي نموذجا للمحبّ المخلص الذي يضنى متنقّلا بين الفيافي والجبال في سبيل الفوز برضا ممدوحه. ومن النماذج التي يتجلّى فيها هذا الأسلوب قصيدة مطوّلة دوّن الشاعر من خلالها رحلته الشاقّة إلى مدينة فاس مثوى الشيخ التجاني بالمغرب الأقصى ومنها([11]):

ڤُلْتَ انْغَــرَّبْ، شُورْ فَاسْ وَالْبَعْدِ يْڤَرَّبْ غُـدْوَهْ نَرْكَـبْ، مِنْ مَغَامْ بُوحَجَّهْ رَانِي
سِيدِ الْبُوطِي، وَالْعَـلاَ يْكَمَّلْ شْـرُوطِي نَرْفَعْ صُوتِي، فِي مْغَـامْ جَـدَّ الْـكُرْدَانِي
مَن الَّڤْرَارَهْ، وَادَ مْزَابْ خَلِّيهْ يْسَــارَهْ ڤَمْرَ الدَّارَهْ، فُــوڤْ عِينْ مَاضِي بُسْتَانِي
سَلَّمْ عَنْ سِيدِ الصّْـغِيرْ، فِي ضَيْ الْمُنِيرْ وَصْبَاحَــكْ بِالْخِيرْ، يَا وْلِيدَ الصَّنْـدَانِي
سِيدِ الطَّاهَرْ، فِي النّْجُـوعْ بُرْهَانُو ظَاهَرْ جَانِي لَشْهَـرْ، شَافْنِي وْشَفْـتُو بَعْيَـانِي
خُـوذَ تْيَارَتْ، فَالْعَــلاَ الْمَاشِينَهْ دَارَتْ فِيهَا حَارَتْ، طَايْفَــهْ وَالشَّايْفُورَ الدَّانِي
مَنْ بَارِيڤُو، تَسَمْـعُو يْدَڤْــدَڤْ فَطْرِيڤُو هَـاجْ حْرِيڤُ، صِيهْــدُو مْعَلَّمْ وَهْرَانِي
غَرَّبْ فَالْمَرْدَاسْ، زُورْ سِيدِي بَلْعَبَّــاسْ إِمَامْ الرِّيَّـاسْ، يَا الشَارِيفْ تْلِمْسَــانِي
دَهَّمْ مَغْنِيَّهْ، اوْ طَالْ وَحْــشْ الدَّاوِيَّـهْ وَجْدَهْ لَعْشِيَّهْ، تَرْبَـحْ تْبَاتْ الزَّهْــوَانِي
تْعَلَّى فُوڤْ لَجْبَالْ، وَوْعَارَتْ لَسْهَــالْ تَتَّرْجَمْ لَشْغَـالْ، فُوڤْ صَرْصَـرْ لَغْصَانِي
ارْكَبْ مَ لَّعْشَابْ، تُوڤْ عَنْ رَايِسْ لَغْطَابْ شُوفْ الْبَرْڤَ بْلاَ سْحَابْ، فِي كُلّْ زْمَانِي
شُوفْ الجَّنَّهْ، كَــانْ كُنْتْ فِيهَـا تَتْمَنَّى رُوحْ تْهَنَّى، بَشَّــرْ الْڤَلْـبْ الدَّخْلاَنِي
غُــومْ تْزُورْ الصَّالْحِينْ، الْجَمْعَهْ وَلَثْنِينْ هَــذَا سِيدْ الْعَارْفِينْ، فِي كُـلّْ زْمَانِي
ابْغَى فِي لاَمَانْ، يَا التَّجَّـانِي حَمْــدَانْ يَدِّينِي وَرْشَـانْ، رُوحْ يَا الطِّيرْ الْبُـرْنِي

ينتمي هذا النص الشعري –مثلما هو واضح- إلى فضاء القصائد السير ذاتية من خلال دلالات نصّية وخارج نصّية، هي بمثابة الميثاق البيّن بين الشاعر/السارد والمتلقّي الملمّ بأخباره. يقوم الشاعر في مستهلّه بمناجاة الشيخ أحمد التجاني، مبرزا له شوقه وفناءه في سبيل حبّه. ومن ثمّ تبدأ رحلته الطويلة إلى مدينة "فاس" المغربية التي تضمّ ضريح الشيخ ومقامه. ومجرّد الإشارة إلى هذه الرحلة يعدّ اعترافا مدوَّنا منه إلى المتلقّي بنسبة الحوادث والعلاقات الزمانية والمكانية التي تتضمّنها القصيدة إليه. وهذا ما يمنح القصيدة شرعيتها السير ذاتية- فهي تفصيل دقيق للأمكنة التي صادفت طريقه، وتعداد لمواقف اتّخذها الشاعر من الشخصيات التي تستوطن تلك الأمكنة.
وإنّ للمكان بتجلّياته ورموزه وعلاماته لسحرَه الطاغي في القول الشعري، فعليه تنعقد خصائص النص الشعرية، وما يمثّله من مرجعية مركزية، وإحالة جوهرية تستقطب إليها وجدان المتلقّي دون حدود. وقد تأسّس هذ النصّ السير ذاتي في تشكيله الشعري على بنية المكان التشخيصية والإيحائية. إذ استهلّ الشاعر رحلته بانطلاقه من موضع ذي محمول وجداني كثيف، وإيحاء إيديولوجي وعاطفي كبير وهو مقام الشيخ "الحاج علي" الكائن بتماسين جنوبي مدينة تقرت في قوله (غُـدْوَهْ نَرْكَـبْ، مِنْ مَغَامْ بُوحَجَّهْ رَانِي ) وهذا المقام يعدّ امتدادا لحضور الزاوية التجانية القوي في الجنوب الجزائري. وعلى الرغم من أنّ الشاعر لم يكن مضطرّا لأن يستهلّ رحلته من هذا الموضع؛ فدونه مدينة (الطيبات) موطن الشاعر الذي تشي نصوص كثيرة أخرى بعلاقته الوطيدة به، وكان أحرى به أن يبدأ بذكر وداعه لأهله وموطنه، لكنّه لم يفعل وفضّل بدلا عن ذلك الانطلاق من (مقام بوحجّة) الذي يحتلّ مكانة خاصّة في ذاكرة المتلقّي. ومن ثمّ فإنّ ذكره هذا الموضع مقرونا بموضع آخر أكثر قداسة في نفس المتلقّي وهو ضريح الشيخ أحمد التجّاني في فاس يعدّ حدثا شعريا كفيلا بخلق آلية شعرية بديلة عن آلية التغريب والانحراف اللغوي، بالاعتماد على شعرية التقرير.
ويلعب المكان دوره الفاعل في البيت الأول من هذا المقطع الذي يعدّ بداية لرسم سيرة المكان الشعرية، حيث ينوي الشاعر السفر إلى مدينة فاس بالمغرب (ڤُلْتَ انْغَــرَّبْ، شُورْ فَاسْ ) فيحدّد الجهة وهي الغرب، والغاية وهي فاس. ولكنّ المسكوت عنه في هذه العبارة أكثر من المذكور. وعلى الرغم من أنّ احتمالات التأويل قليلة أمام المتلقّي المتابع لهذه السيرة الذاتية بسبب أن هنالك عَقْدا علاميا مسبقا بينه وبين الشاعر يقضي بانجلاء شفرة النص المتمثّلة في إيحاءات المكان (فاس) ، إلاَّ أنّ المتلقّي بصفة عامّة لا يدرك أنّ (انْغَــرَّبْ، شُورْ فَاسْ ) تعني زيارة مقام الشيخ التجاني بفاس لطلب المدد والعون. وهذا ما يجعل المكان (فاس) برغم مظهره التقريري الواضح علامة سيميائية سابحة في فضاء التأويل.
ويسترسل الشاعر في ذكر المواضع التي مرّ بها موضعا موضعا محدّدا بها موقفه الإيديولوجي من كل مدينة أو قرية. فمن (تماسين) التي هي محطّة إقلاع للمتخيّل الشعري إلى مدينة "العالية" شمالي مقر الولاية ورقلة بحوالي 70كلم، وبها ضريح (سيد البوطي) الذي تكتمل بزيارته شروط استئناف الرحلة المباركة عن طريق رفع الصوت بالدعاء عند ضريحه. بينما يعرّض الشاعر بأماكن أخرى تصادفه بعد ذلك في طريقه كمدينة (القرارة) ومدينة (غرداية) التي لا يذكرها باسمها وإنّما بالتركيب (واد مزاب) وكأنّما ليختصّه بصفة العالم المجهول الذي لا يعنيه أمره، ولذلك يطلب من المخاطب أن يتركه يسارا أثناء الرحلة (مَن الَّڤْرَارَهْ، وَادَ مْزَابْ خَلِّيهْ يْسَــارَهْ) . واللافت أنّ الذات الشاعرة تنازلت عن مقام السرد الأنوي منذ ذكر هذين الموضعين، وتراجع ضمير الأنا ليفسح المجال إلى السرد السير ذاتي بضمير المخاطب (أنت)، وهو وارد في مثل هذا الأسلوب من السرد؛ إذ «قد يتقنّع الضمير الأول -ضمير الأنا- بضمائر أخرى حسب المتطلّبات والشروط التي تحكم كلّ قصيدة سير ذاتية»([12]). ومبرّر هذا التنازل العمدي عن السرد بضمير الأنا هو محاولة التعريض بقوم لا يعتقدون بمعتقد الشاعر مع تجنيب الذات الدخول في معترك هذا التعريض.
وتهيمن سيرة المكان الشعرية بالتركيز على الحمولة الإيحائية التي يتضمّنها، فمن الحديث عن مدينة غرداية التي هي ليست سوى (واد مزاب) إلى الحديث عن مدينة الأغواط التي لا يعني الشاعرَ منها إلاّ منطقة (عين ماضي) مهد الزاوية التجّانية الأوّل، لذلك يقف عندها ويستوقف مرافقه للتزوّد من بركات أوليائها، والارتواء من حوضها الجمّ (ڤَمْرَ الدَّارَهْ، فُــوڤْ عِينْ مَاضِي بُسْتَانِي). ثمّ يأمر المخاطب بالتوجّه إلى مدينة (تيارت) ليستقلّ القطار. وهنا تتّسع دائرة التقرير لتشمل حيثيات أخرى إلى جانب المكان ومنها القطار الذي يعدّ علامة جديدة أثرت المتخيّل الشعري، وعملت على إيقاظ شعور الدهشة والاستغراب في نفس المتلقّي الذي لا عهد له بهذه الوسيلة لما حملته من جدّة، لذلك فإنّ طائفة المتلقّين محتارة في أمر هذا القطار (فيها حارت طايفه) حين تسمع هديره من منطقة (بريڤو) التي ينتقل منها الشاعر إلى مدينة سيدي بلعباس، ثمّ إلى تلمسان، فمغنية آخر المدن الجزائرية إلى الغرب. ليبيت ليلته في منطقة (الزهواني) بعد عبوره بمدينة (وجدة) المغربية عند المساء.
ويستأنف استعراض المناطق التي مرّ بها في رحلته، فبعد زيارة (قرصيف) ينزل ضيفا بضريح (الحساني) في (باب تازة). ثمّ تمتدّ به الرحلة متوغّلا في بلاد الأمازيغ التي يحتاج فيها إلى من يعينه في ترجمة حوائجه (تَتَّرْجَمْ لَشْغَـالْ)، حتّى يخلص أخيرا إلى مبتغاه في مدينة فاس، وهو ضريح الشيخ أحمد التجّاني، فيصفه بقوله:

شُوفْ الجَّنَّهْ، كَــانْ كُنْتْ فِيهَـا تَتْمَنَّى رُوحْ تْهَنَّى، بَشَّــرْ الْڤَلْـبْ الدَّخْلاَنِي

فيؤدّي واجب الزيارة ثلاثة أيام شاكيا باكيا مستغيثا موقنا في نفسه ألاّ حساب ولا عقاب بعد هذا التطهير المادّي والنفسي:

اَحْلَفْ عَنُّو بِالْكْتَابْ، مَمْنُوعْ الْحِسَابْ فِي حَضْرَةْ لَحْبَابْ، كَانْ فِالْبَرْزَخْ مَبْنِي

التجاني

عدد المساهمات : 1
تاريخ التسجيل : 27/05/2012

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سي أحمد بن عبيد نموذجا

مُساهمة  عبيد الله في الإثنين يونيو 11, 2012 2:42 pm

السلام عليكم اخي التجاني مشكور على الموضوع الشاعر احمد بن عبيد لديه اشعار جميلة ورائعة في وصف يوم القيامة والحساب والجنة والنار ولكنه في اغلب اشعاره يدعو الى دعاء الاولياء والصالحين مع الله او من دون الله وهدا مخالف لاصول الاسلام لأننا مأمورون بعبادة الله وحده ......وشكرا
avatar
عبيد الله

عدد المساهمات : 29
تاريخ التسجيل : 06/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سي أحمد بن عبيد نموذجا

مُساهمة  khelaifa saddam في الخميس مارس 20, 2014 2:28 am

بارك الله فيك وربي جزيك

ممكن يا الاخ الكريت تفيدنا بكتاب لي احمد من عبيد ربي جزيك Very Happy  Very Happy  Very Happy  Very Happy 

khelaifa saddam

عدد المساهمات : 1
تاريخ التسجيل : 20/03/2014

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى