منتدى آفاق الطيبات
مرحبا بك زائرنا الكريم ، حللت اهلا و نزلت سهلا ، نسعد بوجودك معنا ، ونتمى ان تقضي معنا اوقات مفيدة .
ترجمة الصفحة
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
التبادل الاعلاني
pubarab
ديسمبر 2017
الأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبت
     12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930
31      

اليومية اليومية

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
*khelfaoui* - 244
 
علي17 - 174
 
أبوعاقب - 171
 
taibeti91 - 166
 
دردوري محمد ا - 127
 
chine1976 - 108
 
Brahimi - 95
 
زيدان - 94
 
مريم الباتول - 83
 
حمروني1990 - 62
 

هذه هي الطيبات
الساعة العالمية

الحقُّ المبين في كشف شبهاتٍ من عقائد التجانيين [الجزء الأوَّل]

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الحقُّ المبين في كشف شبهاتٍ من عقائد التجانيين [الجزء الأوَّل]

مُساهمة  عبيد الله في الإثنين سبتمبر 09, 2013 12:02 pm

ترجمة التجاني(١٢):

هو أبو العبَّاس أحمد بن محمَّد بن المختار بن أحمد بن محمَّد بن سالمٍ التجاني، نسبةً إلى «بني توجين» أصحاب «تاهرت» و«تاكدمت» من البربر، إخوان بني زيان ملوك تلمسان وبني مرينٍ ملوك المغرب الأقصى، وبنو توجين هم أخوال أحمد التجاني، ولمَّا طال مقامه بينهم نُسب إليهم.

وُلد سنة (١١٥٠ﻫ-١٧٣٧م) ﺑ «عين ماضي» مدينةٍ من مدن صحراء الجزائر، وفيها نشأ وترعرع، ويقال: إنه حفظ القرآن وعمره سبعة أعوامٍ على يد الشيخ محمَّد التجاني، ثمَّ اشتغل بعد ذلك بطلب العلوم الشرعية والأدبية، فقرأ «مختصر خليل» و«الرسالة» و«مقدِّمة ابن رشد» و«الأخضري» على الشيخ المبروك بن بعافية المضاوي التجاني.

وفي سنة (١١٧١ﻫ) ارتحل إلى ناحية فاس وسمع فيها شيئًا من الحديث، وأوَّل من لقيه فيها الطيِّب بن محمَّد اليملحي، وقد أخذ منه طريقته وأذن له في تلقين وِرْده، كما لقي فيها مجموعةً من مشايخ الصوفية وأخذ طرقهم، ثمَّ انتقل من المغرب إلى جهة الصحراء قاصدًا زاوية عبد القادر بن محمَّد الأبيض فأقام بها مُدَّةً ثمَّ انتقل منها إلى تلمسان، ومنها قصد بيت الله الحرام، ثمَّ انتقل إلى تونس ودخلها سنة (١١٨٦ﻫ)، وأقام بها سنةً كاملةً بعضُها بمدينة «سوسة» وبعضها بمدينة «تونس»، درس فيها كتاب «الحكم العطائية» المحتوي على أنواعٍ من السلوك كالإخلاص والعزلة والزهد والمحبَّة والرضا، ثمَّ سافر إلى القاهرة، وفي شوَّالٍ سنة (١١٨٧ﻫ) وصل إلى مكَّة، ولمَّا أكمل حَجَّه توجَّه إلى المدينة، ثمَّ رجع إلى بلده.

توفِّي يوم الخميس السابع عشر من شوَّالٍ سنة (١٢٣٠ﻫ-١٨١٥م) وقد بلغ ثمانين سنةً.
نشأة الطريقة التجانية وعوامل انتشارها

سبق في ترجمة أحمد التجاني أنه التقى عددًا من مشايخ الصوفية وأخذ عنهم عِدَّة طرقٍ، لكنَّه لم يلبث أن تركها جميعًا وبدا له أن ينشئ طريقةً جديدةً يستقلُّ بها عمَّن سبقه، فكان ذلك ما حصل سنة (١١٩٦ﻫ).

قال في «جوهر المعاني»(١٣): «ثمَّ رجع إلى قرية أبي سمغون وأقام بها واستوطن، وفيها وقع له الفتح وأذن له صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في تلقين الخلق، وعيَّن له الورد الذي يلقِّنه في سنة (١١٩٦ﻫ)، وعيَّن له صلَّى الله عليه وآله وسلَّم الاستغفار والصلاة عليه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم»، ومن هذا النقل يتَّضح أنَّ نشأة الطريقة التجانية إنما كانت بناءً على ما ادَّعاه أحمد التجاني من أنه رأى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقظةً وخاطبه ولَقَّنه الوِرد التجاني، فقد صارت «فاس» المركز الأوَّل لهذه الطريقة، ومنها انتشرت الطريقة على يد الأتباع حتَّى شملت الجزء الأكبر من غرب إفريقيا وشمالها.

وترجع أهمُّ أسباب انتشار الطريقة التجانية إلى ما يلي:

١- تدهور الحالة الأمنية لعصر نشأة الطريقة، حيث تكالبت دول أوربا على الدولة العثمانية الحاكمة للجزائر آنذاك، وكثرت الثورات الداخلية ضِدَّها نتيجةَ سوءٍ في الإدارة السياسية والأحوال المعيشية نهايةَ حكم الأتراك، ممَّا أورث ضَعفًا في الحركة العلمية، اقتصر على بعض الدروس لتعليم القرآن الكريم وبعض شروح الكتب الفقهية، وغلب التقليد الأعمى والتعصُّب المَقيت، وفشا الجهل وعمَّت الخرافة وهما عاملان مساعدان على البدع والمحدثات.

٢- مساندة الاستعمار الفرنسي للطرق الصوفية، يقول روم لاندو في كتابه «تاريخ المغرب في القرن العشرين»(١٤): «وقد خَبِر الفرنسيون قضيَّة الطرق الصوفية والدور الذي تلعبه مرَّاتٍ متعدِّدةً من قبل، وثَمَّة وثيقتان قَلَّما يعرفهما الناس تزودِّنا بالمعلومات الطريفة: أولاهما رسالةٌ بعث بها قبل قرنٍ من الزمن المارشال بوجو أوَّل حاكمٍ للجزائر إلى شيخ التجانية ذات النفوذ الواسع، إذ لولا موقفها المُشْبَع بالعطف لكان استقرار الفرنسيين في البلاد المفتتحة حديثًا أصعب بكثيرٍ ممَّا كان».

٣- إقبال الناس عليها لكثرة ما فيها من الثواب المزعوم وضمان الجنَّة بأيسر الأسباب، خصوصًا عند أناسٍ لا يفقهون من الدِّين إلاَّ الشيء اليسير، وعلى سبيل المثال نسوق ما ذكره التجانيون في فضل وردهم: «إنَّ من جملة ما ذكره سيِّدنا رضي الله عنه من فضل هذا الورد العظيم عن نبيِّنا المصطفى الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، أنَّ كُلَّ من أخذه عن الشيخ أو عَمَّن عنده الإذن الصحيح في التلقين، يكون مقامه ومستقرُّه من فضل الله تعالى في أعلى عليِّين بجوار سيِّد المرسلين وإمام المتَّقين صلَّى الله عليه وسلَّم وعلى آله وصحبه أجمعين، ويغفر الله له تعالى بفضله من ذنوبه الكبار والصغائر، وتؤدَّى عنه التبعات من خزائن الربِّ المجيد القادر، ولذلك كان آمنًا من أن يُروِّعه هول المحشر، أو يؤلمه ضنك القبر، وأزواجه وأولاده المنفصلون عنه دنيةً، وكذا أبواه داخلون معه في هذا الخير الجزيل، بشرط ألاَّ يصدر بغضٌ من الجميع في هذا الشيخ الجليل وجانبه الأعزِّ المنيع»(١٥).
أبرز آثار أبي العبَّاس التجاني وأشهر الكتب المؤلَّفة في طريقته التجانية

يأتي في المقام الأوَّل فيما خلَّفه من آثارٍ لمن بعده زاويته التجانية في «فاس»، ومن أشهر الكتب المؤلَّفة في الطريقة التجانية ما يلي:

١- «جواهر المعاني»: وهو أهمُّ كتابٍ في الطريق والمرجع الأساسيُّ لهم، حتَّى إنهم يزعمون أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال فيه: «كتابي هذا وأنا ألَّفتُه»(١٦)، واسمه الكامل: «جواهر المعاني وبلوغ الأماني في فيض سيِّدي أبي العبَّاس التجاني» جمعه علي حرازم، وقرأه على شيخه أحمد التجاني فأجازه في سائر ما فيه.

وقد ذكر عبد الحيِّ الكتَّاني شيخ الطريقة الكتَّانية أنَّ الجزء الأوَّل من كتاب «جواهر المعاني» المؤلَّف سنة (١٢١٣ﻫ) منقولٌ عن كتاب «المقصد الأحمد» المؤلَّف سنة (١٠٩٤ﻫ)، وأنَّ التجاني نقله عن هذا الكتاب ونسبه لنفسه، ولقد كان اكتشاف هذا الكتاب قاصمة الظهر للتجانيين.

٢- «رماح الحزب الرحيم على نحور حزب الرجيم» لمؤلِّفه: عمر بن سعيدٍ الفوتي الطوري الكدوي، كتبه سنة (١٢٦١ﻫ)، وقد قال فيه بعض التجانيين: «إنَّ «الرماح» في هذه الطريقة مثل «المدوَّنة» في المذهب»(١٧).

٣- «الجامع لِما افترق من العلوم الفائضة من القطب المكتوم» لمؤلِّفه: محمَّد بن المشري، أحد كبار تلامذة التجاني، وقد اشتمل الكتاب على جُلِّ ما اشتمل عليه «جواهر المعاني» إلاَّ أنه زاد فيه بعض المسائل، لطول اجتماعه بشيخه بعد وفاة علي حرازم، وأفرد أحمد سكيرج ما انفرد به هذا الكتاب عن «الجواهر» في كتابٍ سمَّاه ﺑ «السرِّ الباهر فيما انفرد به الجامع عن الجواهر».

٤- «الإفادة الأحمدية» لمؤلِّفه: الحاجِّ الطيِّب السفياني، وقد جمع فيه المؤلِّف ما سمعه بنفسه من الشيخ التجاني مشافهةً أو بلغه على لسان من سمعه منه، ورتَّبه على حروف المعجم، واختصره أحمد سكيرج في «كشف الحجاب» وجعل عليه شرحًا سمَّاه ﺑ «الإجادة على الإفادة».

٥- «بغية المستفيد شرح منية المريد» لمؤلِّفه: محمَّد العربي السائح الشرقي العمري التجاني، و«منية المريد» من نظم: أحمد التجاني ابن بابا الشنقيطي العلوي.

٦- «الدرَّة الخريدة على الياقوتة الفريدة» لمؤلِّفه: محمَّد فتحا بن عبد الواحد السوسي النظيفي، وهو شرحٌ لمنظومةٍ في الطريقة التجانية اسمها «الياقوتة الفريدة».

تلكم هي أهمُّ الكتب التي ألَّفها أصحابها عن الطريقة التجانية وأُسُسها وعقائدها.
عقائد التجانية
الفصل الأوَّل: عقيدتهم في الله تعالى

في كتب التجانية ومصادرهم نصوصٌ تثبت عقائد منحرفةً وزائغةً عن الله سبحانه وتعالى، ولا يمكن تصديق أنَّ هذه الطائفة التي تَدَّعي الصلاح والزهد تؤمن بعقائد كفريَّةٍ إلاَّ بعد الاطِّلاع على ما دَوَّنه علماؤهم وكبراؤهم في مؤلَّفاتهم.
وحدة الوجود عند التجانية:

تلك العقيدة التي لا يُقِرُّها عقلٌ ولا فطرةٌ فضلاً عن دين الله الحقِّ، يؤمن بها التجانيون ويصرِّحون بها، وإن كان الإنصاف يحملنا على أن نصرِّح بأنَّ التجانيِّين حيالَ عقيدة وحدة الوجود على ثلاثة أقسامٍ:

- قسمٌ يؤمنون بها ويدافعون عنها وهم أكثر مشايخ التجانية المتقدِّمين.

- قسمٌ ينكرونها ويكفِّرون قائلها -كما يقولون- وهم بعض المتأخِّرين منهم.

- قسمٌ ثالثٌ هم غالب العامَّة الذين يقفون مع مشايخهم موقفَ: «اعتقد ولا تنتقد»، فهُم جَهَلَةٌ مقلِّدون.

قال علي بن محمَّد آل الدخيل: «وقد سألتُ الدكتور الهلالي(١٨) الذي ظلَّ تجانيًّا مُدَّةَ تسع سنواتٍ: هل هذه العقيدة تُعَلَّم للأتباع أم هي للخاصَّة دون العامَّة؟ فأجاب بأنَّ هذه العقيدة لا يؤمن بها إلاَّ خواصُّ التجانيِّين»(١٩).

وهذه بعض النصوص الدالَّة على انتحال التجانية لعقيدة وحدة الوجود:

قال في «جواهر المعاني»(٢٠): «..اعلم أنَّ أذواق العارفين في ذوات الوجود أنهم يرون أعيان الموجودات كسرابٍ بِقِيعةٍ، فما في ذوات الوجود كلِّه إلاَّ الله سبحانه وتعالى تجلَّى بصورها وأسمائها، وما ثمَّ إلاَّ أسماؤه وصفاته، فظاهر الوجود وصور الموجودات وأسماؤها ظاهرةٌ بصورة الغير والغيرية، وهي مقام أصحاب الحُجُب الذين حُجبوا بظاهر الموجودات عن مطالعة الحقِّ فيها».

وقال أيضًا: «فكلُّ عابدٍ أو ساجدٍ لغير الله في الظاهر فما عبد ولا سجد إلاَّ لله تعالى، لأنه هو المتجلِّي في تلك الألباس، وتلك المعبودات كلُّها تسجد لله تعالى، وتعبده وتسبِّحه خائفةً من سطوة جلاله سبحانه وتعالى، ولو أنَّها برزت لعبادة الخلق وبرزت لها بدون تجلِّيه فيها لتحطَّمت في أسرعَ من طرفة العين لغيرته تعالى لنسبة الألوهية إلى غيره، قال سبحانه وتعالى لكليمه موسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤]، والإله في اللغة هو المعبود بالحقِّ، وقوله: ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا﴾ يعني: لا معبود غيري وإن عَبد الأوثان من عبدها فما عَبَد غيري، ولا توجَّهوا بالخضوع والتذلُّل لغيري..»(٢١).

وقال في «ميدان الفضل والإفضال»: «..وأنَّ هذا الاعتقاد ليس هو اعتقاد القائل بوحدة الوجود؛ لأنَّ ذلك اعتقادٌ صحيحٌ شرعًا يقبله العقل السليم بالوهب الإلهي والفيض الرحماني وإن لم يدركه بالنظر الفكري..»(٢٢).

التعليق:

إنَّ حكاية هذه الأقوال تغني عن رَدِّها وتفنيد أدلَّتها، ذلك لأنَّ القرآن صريحٌ في أنَّ الله تعالى بائنٌ من خلقه لا يشبهه شيءٌ من مخلوقاته، متَّصفٌ بصفات الكمال، منزَّهٌ عن النقائص والعيوب، ولقد كَفَّر الله النصارى القائلين بأنَّ الله حَلَّ واتَّحدَّ بعيسى عليه السلام، ﴿لقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧]، فكيف بمن يعتقد أنَّ الله مُتَّحدٌ بجميع مخلوقاته، وأنَّ ما في الكون إلاَّ الله، تعالى الله عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا.
إيمانهم بحصول العلم اللدنيِّ لمشايخهم بالترقِّي في الطريقة:

إنَّ ممَّا ابتُلي به الصوفيَّة عمومًا، والتجانية خصوصًا دعوى مريدي مشايخهم لأشياخهم أنهم -برياضة نفوسهم على أورادهم وسلوكهم- يترقَّوْن في الطريق فتحصل لهم معرفةٌ بالأحكام الشرعية تعلُّما بلا واسطةٍ يسمُّونه علمًا لَدُنِيًّا وإلهامًا وكشفًا ربَّانيًّا يوفَّقون به لمعرفة الحكم الشرعيِّ من غير مكابدة الطلب، ولا تلقٍّ بمطالعة الكتب أو مزاحمة العلماء بالرُّكَب، ولا استخدامٍ للقواعد والأصول، كأنما كُشف لهم عن مخدَّرات العلم ومخبَّآته الحجابُ، ولسان حالهم يقول: إنَّ من اتَّقى اللهَ علَّمه الله، عملاً بقوله تعالى ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فجعلوا طريق معرفة الأحكام الشرعية مبناها على الاستحسان والمواجيد والأذواق والخواطر النفسية للشيخ المتبحِّر في طريقتهم.

جاء في «الدرَّة الخريدة»: «إنَّ العبد إذا دخل في طريق القوم وتبحَّر فيه أعطاه الله عزَّ وجلَّ هناك قوَّة الاستنباط نظيرَ الأحكام الإلهية الظاهرة على حدٍّ سواءٍ، فيستنبط في الطريق واجباتٍ ومندوباتٍ وآدابًا ومحرَّماتٍ ومكروهاتٍ وخلافَ الأَوْلى نظير ما فعله المجتهدون..»(٢٣).

التعليق:

هذا الكلام -في حقيقته- ينبئ عن صفةٍ ذميمةٍ هي «كذب الحال»، وقد قال النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ»(٢٤)، فقد جمع فيه أصحاب الطريقة بين ادِّعاء العلم وادِّعاء الأفضلية على العلماء، حيث زعموا أنه يحصل لهم ما يحصل للعلماء دون واسطةٍ أو كدٍّ أو طلبٍ، فقد جاء التحديد النبويُّ لطريق العلم الشرعي محصورًا بالتعلُّم، فلا سبيل للحصول عليه والوصول إليه إلاَّ بالتعلُّم الذي يقتضي بَذْلَ الجهد في طلبه وتحصيله، قال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، مَنْ يَتَحَرَّى الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَه»(٢٥)، ثمَّ إنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم جعل طلب العلم فريضةً على كلِّ مسلمٍ يسعى إليه ويسلكه لتحصيله، قال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»(٢٦)، وقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ»(٢٧).

أمَّا الآية في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾، فإنَّ الواو ليست عاطفةً وإنما هي للاستئناف كما ذكر ابن جريرٍ الطبري، وإن سلَّمْنا -جدلاً- أنها للعطف فإنَّ معناها أنَّ من اتَّقى الله وطلب العلم النافع أورثه الله فَهْمًا يَعرف به الحقَّ والباطل(٢٨)، فبالعلم تحصل التقوى فهو سابقٌ عليها، فالتقوى ثمرة العلم النافع والعمل الصالح، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، غير أنَّ التيجانيِّين جعلوا الأمر معكوسًا، فصار العلم -عندهم- ثمرةً للتقوى، ناهيك عن نوع تقواهم التي جعلوها مسلكًا لهم.

والمتأمِّل في هذا الكلام يلمس أنَّ حقيقته اعتماد المواجيد والأذواق والخواطر من غير وزنها بميزان الشرع، فجعلوها أصلاً سابقًا لِما سواه، وقدَّموها على الشرعيات حالَ التعارض.

قال ابن تيمية -رحمه الله-: «فالمتكلِّمة جعلوا بإزاء الشرعيَّات العقليات أو الكلاميات، والمتصوِّفة جعلوا بإزائها الذوقيات والحقائق، والمتفلسفة جعلوا بإزاء الشريعة الفلسفة، والملوك جعلوا بإزاء الشريعة السياسة، وأمَّا الفقهاء والعامَّة فيخرجون عمَّا هو عندهم الشريعةُ إلى بعض هذه الأمور، أو يجعلون بإزائها العادة أو المذهب أو الرأي. والتحقيق: أنَّ الشريعة التي بعث الله بها محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم جامعةٌ لمصالح الدنيا والآخرة، وهذه الأشياء ما خالف الشريعة منها فهو باطلٌ وما وافقها منها فهو حقٌّ»(٢٩).

فالمكاشَف الحقُّ من يَزِنُ مكاشفاته بالكتاب والسنَّة، إذ لا عصمة للمكاشفات والخطابات ونحوها من الأحوال ولا دليل يدلُّ عليها، وغير المعصوم لا ثِقَةَ بخواطره لأنه لا يأمن وسوسة الشيطان(٣٠).

وحسْبُنا من ذلك أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه الذي كان ملهمًا بالصواب وينطق الحقُّ على لسانه، وأهل المكاشفات والمحادثات والإلهامات من هذه الأمَّة هم دون عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه ببونٍ شاسعٍ، مع ذلك كان رضي الله عنه يحتاج إلى عرض ما قُذف في قلبه وانقدح في خاطره على الكتاب والسنَّة، فما وافقهما قبلَه وما خالفهما ردَّه، ولذلك كان يعارضه الصحابةُ رضي الله عنهم ولا يحتجُّ عليهم بما أُلقي في نفسه من إلهامٍ، أو يقابل اعتراضهم بكونه محدَّثًا، ولا أدلَّ على ذلك ممَّا وقع منه في الحديبية وعند وفاة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، قال ابن تيمية -رحمه الله-: «فإنَّ مرتبة الصدِّيق فوق مرتبة المحدَّث، لأنَّ الصدِّيق يتلقَّى عن الرسول المعصوم كلَّ ما يقوله ويفعله، والمحدَّث يأخذ عن قلبه أشياء، وقلبُه ليس بمعصومٍ فيحتاج أن يعرضه على ما جاء به النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولهذا كان عمر رضي الله عنه يشاور الصحابة رضي الله عنهم ويناظرهم ويرجع إليهم في بعض الأمور وينازعونه في أشياء، فيحتجُّ عليهم ويحتجُّون عليه بالكتاب والسنَّة ويقرِّرهم على منازعته ولا يقول لهم: أنا محدَّثٌ مُلْهَمٌ مخاطَبٌ فينبغي لكم أن تقبلوا منِّي ولا تعارضوني، فأيُّ أحدٍ ادَّعى أو ادَّعى له أصحابه أنه وليُّ لله وأنه مخاطَبٌ يجب على أتباعه أن يقبلوا منه كلَّ ما يقوله ولا يعارضوه ويسلِّموا له حالَه من غير اعتبارٍ بالكتاب والسنَّة فهو وهُمْ مخطئون، ومثل هذا من أضلِّ الناس»(٣١).

أمَّا الاستحسان المجرَّد عن الأدلَّة الشرعية فلا يُلتفت إليه فضلاً عن جعله مرجعًا وأصلاً تُبنى عليه العقائد والأحكام، إذ الناس متفاوتون في أذواقهم كتفاوُتهم في عقولهم وإدراكاتهم، فما يستحسنه أحدهم قد يستقبحه آخر، فإن لم يرجعوا إلى الكتاب والسنَّة في استحسانهم ضاع الدين بين أهوائهم وأذواقهم، وقد تجتمع كلمة طائفةٍ منهم على استحسان ما استقبحه الشرع وأجمعت الأمَّة على ردِّه، أو استقباح ما استحسنه الشرع، وذلك هو الضلال الذي ما بعده ضلالٌ.

قال ابن تيمية: «..فإنَّ مجرَّد الاستحسان بالذوق والوجدان إن لم يشهد له الكتاب والسنَّة وإلاَّ كان ضلالاً»(٣٢).

وسرُّ ذلك أنَّ الاستحسان الذي لا يشهد له الشرع ذريعةٌ إلى التشريع من دون الله، ولذلك قال الشافعي -رحمه الله-: «من استحسن فقد شرع»(٣٣)، ومن المعلوم أنَّ الأُمَّة قاطبةً متَّفقةٌ على أنَّ الله سبحانه مُتفرِّدٌ بالتشريع، وهو من خصائص ربوبيته لا ينازعه في ذلك أحدٌ، كما جاء صريحًا في نصوصٍ كثيرةٍ منها: قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧]، وقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠]، فلا حلال إلاَّ ما أحلَّه الله ولا حرام إلاَّ ما حرَّمه.

وإنَّ العبد مهما بلغ عبادةً وصلاحًا وتقوى فإنه لا يشارك الله في تشريعٍ لا في أمرٍ ولا نهيٍ، وليس لأحدٍ من العباد أن يقول: «هذا سُنَّةٌ وهذا واجبٌ» لشيءٍ لم يَرِدْ فيه دليلٌ من شرع الله، وإن فعل ذلك فقد نازع اللهَ في حقِّ الحاكمية وهو حقٌّ من حقوقه تعالى لا يجوز إلاَّ له، ومن فعل ذلك فقد أشبه النصارى الذين اتَّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١].

ففي سنن الترمذي عن عديِّ بن حاتمٍ رضي الله عنه قال: «أتيت النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وفي عنقي صليبٌ من ذهبٍ، فقال: «مَا هَذَا يَا عَدِيُّ؟ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ»، وسمعته يقرأ في «سورة براءة»: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ قال: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ»»(٣٤).

فالله وحده هو الذي يحرِّم ويحلِّل وما أحلَّه فهو الحلال وما حرَّمه فهو الحرام، وليس لأحدٍ مهما سما وبلغ أيُّ حقٍّ في التشريع، فالاعتماد على الكشف والإلهام ونحو ذلك من الأحوال بمعزلٍ عن الشرع هو من أصول الإلحاد، ومن اعتقد أنَّ للشيخ القدرة على تشريع أحكامٍ تضاهي الأحكام الإلهية فقد ضلَّ ضلالاً بعيدًا.

قال الشنقيطي -رحمه الله-: «وبالجملة، فلا يخفى على من له إلمامٌ بمعرفة دين الإسلام أنه لا طريق تُعرف بها أوامر الله ونواهيه، وما يُتقرَّب إليه به من فعلٍ وتركٍ إلاَّ عن طريق الوحي، فمن ادَّعى أنه غنيٌّ في الوصول إلى ما يرضي ربَّه عن الرسل وما جاءوا به ولو في مسألةٍ واحدةٍ فلا شكَّ في زندقته، والآيات والأحاديث الدالَّة على هذا لا تُحصى»(٣٥)
إيمانهم بأنَّ مشايخهم يعلمون الغيب:

قال في «جواهر المعاني»: «ومن كماله رضي الله عنه(٣٦) ونفوذ بصيرته الربَّانية وفراسته النورانية التي ظهر مقتضاها في معرفة أحوال الأصحاب، وفي غيرها من إظهار مضمراتٍ، وإخبارٍ بمغيباتٍ، وعلمٍ بعواقب الحاجات، وما يترتَّب عليها من المصالح والآفات، وغير ذلك من الأمور الواقعات»(٣٧).

وقال في «رماح حزب الرحيم»: «وينبغي على المريد أن يعتقد في شيخه أنه يرى أحواله كلَّها كما يرى الأشياء في الزجاجة»(٣٨).

وقال محمَّد العربي السائح الشرقي: «ومن إخباره بالغيب عن طريق كشفه رضي الله عنه إخبارُه بأمورٍ لم تقع إلاَّ بعد وفاته إمَّا بالتصريح أو بالتلويح»(٣٩).

تفنيد شبهة التجانيين:

استند التجانيون لإثبات معرفة شيوخهم الغيبَ والأشياءَ المستقبلية التي لم تقع بعدُ إلى شبهةٍ واهيةٍ لخَّصها محمَّد فتحا بقوله: «قلت: لا مانع من كونه تعالى يُطلع على غيبه بعض أصفيائه كما قال تعالى: ﴿فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجنّ: ٢٧]، يعني: «أو وليٍّ» كما قال بعض العارفين، والصحيح أنه لم يُنقل من هذه الدار حتَّى أطلعه الله على مفاتح الغيب، فلتكن بعض خواصُّ أمَّته كذلك بطريق الوراثة المحمَّدية..»(٤٠).

الجواب:

جواب هذا الإيراد أنَّ الاطِّلاع على الغيب من خصوصيات الله سبحانه وتعالى، جاء ذلك صريحًا في أكثر من آيةٍ في كتاب الله عزَّ وجلَّ منها: قوله تعالى: ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ للهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾ [يونس: ٢٠]، وقوله: ﴿وَللهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣]، وقوله: ﴿قُل لاَ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وغيرها من الآيات المصرِّحة بحصر علم الغيب بالله وحده ونفيه عَمَّن سواه، فلا يعلم الغيب ملكٌ مُقرَّبٌ ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ إلاَّ من أطلعهم الله عليه.

وأمَّا إلحاق الوليِّ بالرسول كما ادَّعاه التجاني فإلحاقٌ مع ظهور الفارق؛ ذلك لأنَّ الله يُطلع رسله على الأمور الغيبية عن طريق الوحي الذي يستحيل في حقِّ الوليِّ.

قال القرطبي المالكي: «فالله تعالى عنده علم الغيب وبيده الطرق الموصلة إليه لا يملكها إلاَّ هو، فمن شاء إطلاعه عليها أَطْلَعه، ومن شاء حجْبَه عنها حَجَبَه، ولا يكون ذلك من إفاضته إلاَّ على رسله بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩] وقال: ﴿إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧]»(٤١).

وأمَّا قوله: «والصحيح أنه لم يُنقل من هذه الدار حتَّى أطلعه الله على مفاتح الغيب، فلتكن بعض خواصِّ أُمَّته كذلك بطريق الوراثة المحمَّدية» فلا نسلِّم أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أُطلع على مفاتح الغيب لقوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، فالآية صريحةٌ في أنَّ الله اختصَّ نفسه بمفاتح الغيب ولم يُطلع عليها أحدًا من خلقه، وفي الحديث: «مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ اللهُ: لاَ يَعْلَمُ مَا في غَدٍ إِلاَّ الله، وَلاَ يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ إِلاَّ الله، وَلاَ يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المطَرُ أَحَدٌ إِلاَّ اللهُ، وَلاَ تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَلاَ يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَاعَةُ إِلاَّ اللهُ»(٤٢)، قال ابن مسعودٍ رضي الله عنه: «أُعطِي نبيُّكم كلَّ شيءٍ إلاَّ مفاتح الغيب»(٤٣)، وإذا كانت المقدِّمة غير سليمةٍ فما بُني عليها فمثلها لأنَّ «مَا بُنِيَ عَلَى فَاسِدٍ فَفَاسِدٌ».
الفصل الثاني: عقيدة التجانيين في صلاة الفاتح:

«القرآن كلام الله نزل به جبريل عليه السلام على محمَّدٍ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، المتعبَّد بتلاوته، منه بدأ وإليه ويعود، ليس بمخلوقٍ ولا يشبه كلام المخلوقين، وفضلُ القرآن على غيره من سائر الكلام كفضل الله على خلقه»، هذا هو المعتقد الذي كان عليه صحابة النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وأجمع عليه أهل القرون المفضَّلة، بينما للتجانيين في كلام الله معتقَدٌ مبايِنٌ لِما عليه الحقُّ، فقد هَوَّنوا من القرآن وجعلوا لكلام شيخهم مرتبةً تفوق مرتبة كلام الله، وأعطوا قارئ وِرْدهم من الفضل ما لم ينله حافظ القرآن، حيث يعتقد كثيرٌ من التجانيين بأنَّ «صلاة الفاتح لِما أُغلق»(٤٤) أفضل من القرآن الكريم، وأنها من كلام الله.

جاء في جواهر المعاني: «..ثمَّ أمرني بالرجوع صلَّى الله عليه وسلَّم إلى صلاة «الفاتح لِما أُغلق»، فلمَّا أمرني بالرجوع إليها سألتُه صلَّى الله عليه وسلَّم عن فضلها، فأخبرني أوَّلاً بأنَّ المرَّة الواحدة منها تعدل من القرآن ستَّ مراتٍ، ثمَّ أخبرني ثانيًا أنَّ المرَّة الواحدة منها تعدل من كلِّ تسبيحٍ وقع في الكون ومن كلِّ ذكرٍ ومن كلِّ دعاءٍ كبيرٍ أو صغيرٍ ومن القرآن ستَّة آلاف مرَّةٍ لأنه من الأذكار»(٤٥).

وقال مؤلِّف «الدرَّة الخريدة»: «..واعتقاد المصلِّي بها أنها في صحيفةٍ من نورٍ أُنزلت بأقلام قدرةٍ إلهيةٍ وليست من تأليف زيدٍ ولا عمرٍو، بل هي من كلامه سبحانه، وأنها لم تكن من تأليف البكري، وفي «جع»(٤٦): والفضل الذي فيها لا يحصل إلاَّ بشرطين: الأوَّل: الإذن، الثاني: أن يعتقد الذاكر أنَّ هذه الصلاة من كلام الله تعالى كالأحاديث القدسية وليست من تأليف مؤلِّفٍ»(٤٧).

التعليق:

- تفضيل التجانيِّين صلاة الفاتح على القرآن من أبشع منكراتهم، وأقبح مساوئهم، فكيف يُعقل أن يكون كلامٌ لم يُرْوَ في كتابٍ من كتب الحديث ولا سندَ له ولو ضعيف، يساوي كلام من لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، سبحانك هذا بهتان عظيم!! وقد قال الله تعالى في محكم تَنْزِيله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، فمجرَّد الإتيان بمثل كلام الله من المستحيلات، فكيف بالإتيان بما هو أفضل منه بمرَّاتٍ!!

- هذا الاعتقاد المدوَّن في كتب القوم ومراجعهم -ولو حاولوا تأويله- صدٌّ عن كتاب الله تلاوةً وتدبُّرًا، فعملاً وتحاكمًا، فإنَّ من يعتقد أنَّ صلاة الفاتح التي لا تتجاوز ثلاثة أسطرٍ تعدل ستَّة آلاف ختمةٍ من القرآن سينصرف -لا محالة- عنه إلى كلماتٍ لا تتطلَّب منه وقتًا وجُهدًا، فيكون مستحقًّا للذمِّ الوارد في قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠].

- ادِّعاء التجاني أنه تلقَّى صلاة الفاتح من النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يقظةً بعد الالتقاء به لقاءً حسِّيًّا مادِّيًّا: شطحةٌ صوفيةٌ سيأتي الردُّ عليها في بابها إن شاء الله.

وما يزيدها قبحًا وشناعةً اعتقاد التجانيِّين أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم خصَّ زعيمهم بفضل الوِرد المزعوم، قال: «ومن أخذ عنِّي الورد المعلوم الذي هو لازمٌ للطريقة، أو عمَّن أذنته يدخل الجنَّة هو ووالداه وأزواجه، وذرِّيَّاته المنفصلة عنه لا الحفدة بلا حسابٍ ولا عقابٍ، بشرط أن لا يصدر منهم سبٌّ ولا بغضٌ ولا عداوةٌ وبدوام محبَّة الشيخ بلا انقطاعٍ إلى الممات، وكذلك مداومة الورد إلى الممات»(٤٨).

وقال: «فلمَّا تأمَّلتُ هذه الصلاة وجدتُها لا تزنها عبادة جميع الجنِّ والإنس والملائكة»(٤٩).

- إذا كانت هذه الصلاة من كلام الله فكيف يصحُّ للتجاني أن يزيد فيها لفظ «سيِّدنا» ويزعم أنَّ الله يقول: «اللهمَّ صلِّ على سيِّدنا محمَّد..» أفلا يدري أنَّ الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ليس سيِّدًا لله بل الله هو السيِّد، فعن مطرِّف بن عبد الله بن الشخِّير يحدِّث عن أبيه قال: «جاء رجلٌ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: أنت سيِّد قريشٍ، فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «السَّيِّدُ اللهُ»، قال: أنت أفضلها فيها قولاً وأعظمها فيها طَوْلاً، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لِيَقُلْ أَحَدُكُمْ بِقَوْلِهِ، وَلا يَسْتَجِرُّهُ الشَّيْطَانُ»»(٥٠).

- كلام الله صفةٌ من صفاته، والكلام في الصفات فرعٌ عن الكلام في الذات، فكما أنَّ ذات الله لا يشبهها ذوات المخلوقين فإنَّ كلام الله لا يشبهه كلام المخلوقين، ومن اعتقد أنَّ كلام البشر ككلام الله فقد كفر، فكيف بمن فضَّل كلامهم على كلامه سبحانه.
....................
(١٢) انظر ترجمته في: «جواهر المعاني» لعلي حرازم (١/ ٣٠)، «سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أُقبر من العلماء والصلحاء بفاس» لمحمَّد بن جعفر الكتَّاني رقم (١١٩).

(١٣) (١/ ٥١).

(١٤) (ص ١٤٠) طبعة دار الثقافة.

(١٥) «بغية المستفيد شرح منية المريد» لمحمَّد العربي السائح التجاني (٢٧٣).

(١٦) المصدر نفسه (١٨٣).

(١٧) «جناية المنتسب العاني» لأحمد سكيرج (٢/ ٧٢).

(١٨) هو محمَّد تقي الدين الهلالي.

(١٩) «التجانية، دراسةٌ لأهمِّ عقائد التجانية على ضوء الكتاب والسنَّة» (٨٦).

(٢٠) (١/ ٢٥٩).

(٢١) «جواهر المعاني» (١/ ١٨٤).

(٢٢) «ميدان الفضل والإفضال في شمِّ رائحة جوهرة الكمال» لعبيدة بن محمَّد الصغير (٦٢).

(٢٣) «الدرَّة الخريدة» (٣/ ٢١٦).

(٢٤) أخرجه البخاري (٥٢١٩)، ومسلم (٢١٣٠)، من حديث أسماء رضي الله عنها.

(٢٥) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٣/ ١١٨)، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه. وحسَّنه الألباني في «السلسة الصحيحة» (١/ ٦٧٠).

(٢٦) أخرجه ابن ماجه (٢٢٤) من حديث أنس بن مالكٍ رضي الله عنه. وهو في «صحيح الجامع» (٣٩١٣).

(٢٧) أخرجه الترمذي (٢٦٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وهو في «صحيح الجامع» (٦٢٩٨).

(٢٨) انظر: «تفسير القرطبي» (٣/ ٤٠٦).

(٢٩) «مجموع الفتاوى» (١٩/ ٣٠٨).

(٣٠) انظر: «أضواء البيان» للشنقيطي (٤/ ١٥٩).

(٣١) المصدر السابق (١١/ ٢٠٨)

(٣٢) «الاستقامة» لابن تيمية (١/ ٣٩١).

(٣٣) انظر: «الأمَّ» للشافعي (٦/ ٢١٩).

(٣٤) أخرجه الترمذي في «تفسير القرآن» باب ومن سورة التوبة (٣٠٩٥)، وحسَّنه الألباني في «غاية المرام» (١٩)، وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٩/ ٧٣).

(٣٥) «أضواء البيان» للشنقيطي (٤/ ١٥٩).

(٣٦) الترضيةُ تُطلقُ على الصحابة خاصَّةً على أرجح أقوال أهل العلم على وجهٍ لازم التحقيق لمن عيَّنتهم الآياتُ القرآنية في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨]، ولقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البيِّنة: ٨].

(٣٧) (١/ ٦٣).

(٣٨) «رماح حزب الرحيم في نحور حزب الرجيم» لعمر بن سعيد الفوتي الطوري (١/ ٢٨).

(٣٩) «بغية المستفيد» ص (٢٤٦).

(٤٠) «الدرَّة الخريدة» (١/ ٢١٩).

(٤١) «تفسير القرطبي» (٧/ ٥).

(٤٢) أخرجه البخاري في «تفسير القرآن» (٢/ ٥٢٧) باب قوله: ﴿اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ﴾، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(٤٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ٢١٠).

(٤٤) ونصُّها: «اللهمَّ صلِّ على سيِّدنا محمَّدٍ الفاتح لِما أُغلق، والخاتم لِما سبق، ناصر الحقِّ بالحقِّ، الهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله حقَّ قدره ومقداره العظيم». انظر: «أحزاب وأوراد التجاني» (١٢).

(٤٥) (١/ ١٣٦).

(٤٦) هذا الرمز يرمز به مؤلِّف «الدرَّة الخريدة» لكتاب الجامع لابن المشري.

(٤٧) «الدرَّة الخريدة» (٤/ ١٢٨).

(٤٨) «جواهر المعاني» (١/ ٩٨).

(٤٩) «جواهر المعاني» (١/ ١٠١).

(٥٠) أخرجه أحمد في «مسنده» (٤/ ٢٤)، وأبو داود في «الأدب» (٤٨٠٦) باب في كراهية التمادح، والحديث صحَّحه الألباني في «صحيح الجامع» (٣٧٠٠).
avatar
عبيد الله

عدد المساهمات : 29
تاريخ التسجيل : 06/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى